بن عيسى باطاهر
49
المقابلة في القرآن الكريم
إلى غير ذلك من طرق الأداء ، على نحو من السرعة لا عهد لك بمثله ولا بما يقرب منه في كلام غيره قط ، ومع هذه التحولات السريعة المستمرة التي هي مظنّة الاختلاج والاضطراب بل مظنّة الكبوة والعثار في داخل الموضوع أو في الخروج منه ، تراه لا يضطرب ولا يتعثّر ، بل يحتفظ بتلك الطبقة العليا من متانة النظم وجودة السبك حتى يصوغ من هذه الأفانين الكثيرة منظرا مؤتلفا ، فأيّ امرئ يحسن العربية وينظر في نظم القرآن هذه النظرة ثم لا يرى فيه من أثر القدرة الباهرة سرّا من أسرار التحدي والإعجاز » « 1 » . ولا يقدر على هذا التنويع في الأساليب لتلبية حاجات النفوس إلا العليم بخبايا النفوس وأسرارها ، ولهذا تميّز القرآن على جميع المستويات وبخاصة المستوى الأدبي الذي يختلف قانونه عن قانون البشر ، يقول مالك بن نبي : « إنّ عبقرية الإنسان تحمل بالضرورة طابع الأرض ، حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان ، بينما يتخطّى القرآن دائما نطاق هذا القانون ، وما كان لكتاب بهذا السموّ أن يتصور في حدود الأبعاد الضيقة للعبقرية الإنسانية ، ومن المقطوع به أنّه لو أتيح لأحد من الناس أن يقرأ القرآن قراءة واعية يدرك من خلالها رحابة موضوعه ، فلا يمكنه أن يتصور الذات المحمدية إلا مجرد واسطة لعلم غيبيّ مطلق » « 2 » . 7 - عرض الوحدانية بطريقة المقابلة : قبل الحديث عن « المقابلة » واعتماد القرآن الكريم عليها ضمن طرق العرض ، لا بدّ من الإشارة إلى مسألتين : أولا : تناول دارسو البلاغة وإعجاز القرآن « المقابلة » بالبحث والدراسة ، وكانت نظرتهم لها في نطاق ضيق وضمن علم البديع ، وعدوا المقابلة من
--> ( 1 ) النبأ العظيم - ط دار القلم : الكويت ص 144 . ( 2 ) الظاهرة القرآنية - ص 188 .